amigos

كيف علمني صديقي الإسبانية

دروس للمبتدئين

قصتي في تعلم الإسبانية مضحكة و مخجلة في نفس الوقت. كنت أقطن في إسبانيا و كانت مدة إقامتي تجاوزت السنة و النصف. كان مستواي في اللغة الإسبانية لا باس به, لكني كنت أعيش كأخرص, أعرف ما يقال لي لكني غير قادر على الكلام. حتى لو إضطرت للكلام قد أقول جملة واحدة و أصمت, و بعدها أبدأ بالنأنأة خجلا و خوفا من أن أخطأ. كنت أظن أني المخلوق الوحيد الذي يعاني من هذا المشكل لكن تبين لي أنها مشكلةالكثير من الناس. ظل الحال على حاله حتى تعرفت صديق اعرفه من الطفولة و كان حديث الإقامة في إسبانيا, كان يقطن في مدينة تبعد بضع كلمترات و كنا نتكلم كثيرا على الشات و كان يدعوني دائما أن نلتقي و نحتسي قهوى معا.

كنت أتواصل معه و دائما أكلمه بالعربية سواءا كان الإتصال هاتفيا أو عبر الشات في حين كان يرد علي بالإسبانية مع الكثير و الكثير من الأخطاء اللغوية و الكتابية. كنت أقول في نفسي ما باله يكلمني بلغة لا يتقنها حتى, ألا يعلم بكمية الأخطاء التي يرتكبها؟ كنت أنظر إليه نظرة شخص متطفل و دون كرامة, كيف يتخلى على لغته و مبادئه بسهولة؟ لم يتجاوز الشهر و ها هو يحسب نفسه إسبانيا. بينما أنظر إلى نفسي نظرة الشهامة و البطولة فأنا لا أتكلم الإسبانية إلا إذا إضطررت لذلك.أعذروني كنت أملك عقلا مريضا متخلفا نتيجة مجتمع لا يرحم مجتمع يشجع الجهل و يطارد العلم.

جاء اليوم الذي قررنا فيه أن نلتقي و نشاهد مبارة مهمة لكرة القدم. في هذا اليوم أدركت كم كنت ساذج و مغفل و غبي بعقلية متعفنة و مريضة. إقترحت أن أذهب أنا إليه, إلتقيت به في منزله. كعادته أنا أكلمه بالعربية و هو يرد بالإسبانية مع الكثير من الأخطاء. حينها كان مستواي في اللغة الإسبانيا أفضل منه بعشرات المرات. و كان لا يتكلم العربية إلا إذا تعثر لسانه أو أراد قول شيء إستحال عليه بالإسبانيا.

مررنا بدكان بالقرب من منزله فوجدته أقام صداقة مع البائع و يكلمه عن مباراة البارحة و يصخر منه لأن فريقه المفضل تعادل رغم قوته. فصديقنا كان ينحر اللغة الإسبانية بكثرة الأخطاء بينما الإسباني صاحب الدكان يفهم عليه و يجيبه عادي. في طريقنا للمقهى أو البار كما يصطلح عليه في إسبانيا, رأيته يسلم على هذا و يصخر مازحا من ذاك و كان يتكلم بعفوية تامة غير مكترث لكل الأخطاء اللغوية, إلى أن وصلنا للمقهى.

كما كنت متوقع تماما وجدته قد أقام علاقة مع صاحب المقهى و يسأله عن مباراة اليوم و ما حدث البارحة. قام بالطلب و جلسنا نتكلم وفي إنتظار بداية المباراة. بينما كنا نتكلم أردت أن أحبطه و اسقيه من عقلي المريض دون أن أدري. قلت له إنك ترتكب الكثير من الأخطاء و ستجعل نفسك عرضة للسخرية. الحمد لله أنه لم يكترث لكلامي و أجابني: أنا أعرف ما يقولون و هم يعرفون ما أقول, هذا هو المهم.

أفضل موقف أضحكني, بينما كنا ننتظر بداية المبارة قام نادل كان يعمل في تلك المقهى بتغيير القناة, و كان صديقي يكرهه كرها شديدا بسبب عنصريته, فصاح فيه صديقي غاضبا: deja partido, tu tacaño. بمعنى أترك المباراة, أنت بخيل. بغض النظر إلى الأخطاء اللغوية أضاف إليها أخطاء معنوية. من المفروض أن يقول له أنت قبيح أو أنت سيء أو أنت عنصري فلا علاقة للبخل بما فعله النادل.

توالت الأحداث فبذأ يروي لي كيف يتعرف على الناس و خصوصا البنات و الأساليب الذي يستعملها. فأدركت الفرق بيني و بينه, كيف له أن يكون عنده هذا الكم من الأصدقاء الأجانب في ظرف وجيز وأنا لا أعرف ولا واحد, حتى زمائي الإسبان في القسم لا تجمعني معهم أي علاقة سوى التحية عند اللقاء.

بعد عدة لقاءات بيننا بدأت أطرد ذلك الحاجز اللعين حاجز الخوف و الخجل من ان أخطأ. بمجرد الكلام مع الإسبان سيدركون أنك أجنبي و سيكونون سعداء أنك تتكلم لغتهم. ذات يوم قلت لأحد الأساتدة إنك تحرجني بسؤالي دوما دون البقية. فأجابني: أسألك لأني أحب لهجتك و طريقتك في الكلام, فأنت نادر الكلام إن لم أفعل هذا سيظن زملائك أنك أخرص.

هذه كانت فقط فقرة تحفيزية و هي بالنسبة لي لا تقل أهمية من التعليم اللغة نفسه. في الفقرة القادمة سنبدأ أول درس في اللغة الإسبانية. بالتوفيق.